من أنا

٢٠‏/٢‏/٢٠١٠

حداء دليل الأمل



جلسته ...... هيئته ... حزنه .... أعاد لي تلك الذكريات المؤلمة

يوم تذوقت شعور المرارة وخيبة الأمل .... أضف اليه يومها شعور لا عقلاني بالحنق علي اولئك الذين خدعوك



ثم تمتم بصوت مسموع وهو يهز رأسه (والله ربنا يساهل لها هي تستاهل كل خير ) و رغم المرارة الا ان ضحكت تسربت من ركن شفتي بدون قصد ...

وأحسبها ضحكة من يري موقفا لثاني مرة

كل مافي الامر أن الأشخاص تغيروا والابطال مختلفون بل ربما تحمل البطلة نفس الاسم هذه المرة ايضا



و ابتسمت مرة أخري

هذه النسخ المتماثلة من التفاعلات الانسانية فيها بشري له وعزاء

لقد استعدت عافيتي وقد كنت يومها أشد ألما منه

واليوم قد من الله علي بأكثر مما كنت أتمني وأهداني القدر جائزة ثمينة لتقر عيني ... وليصدق قول الله (وماتدري نفس ماذا تكسب غدا)



أحيانا تسير بنا الحياة في طريق لاندري ما آخره .... ضبابي ... مظلم ... وبالرغم من ذلك تسير فيه حتي تكتشف فجأة أنك تقف علي قمة جبل لاتري ماوراءه من كثرة الضباب ....

وحين تنقشع الغمامة .... ويزول الضباب ... تكتشف بداية جديدة لعالم أكثر إشراقا و.. و... و أملا



صدقني .... إنها لم تكن يوما نهاية العالم .... ولن تكون ....



وها أنا الدليل



************************************************************

إنه الأمل مرة أخري

هل يفعلها ؟؟؟

هل تعود البسمة إلي وجه طمطم ؟؟؟

وهل تكف رفيقة حجرتها عن النظر ألي السقف تلك النظرة اللامتناهية التي تعبر عن التلاشي والخواء

والفقد ..... فقد الامل



فعلها بعضهم قبلها

وأتمني أن يفعلوها



لم أحتفل يوما بعيد ميلادي ولكني اليوم أتم عامي السادس والعشرين ولو طلب أحدهم مني أن أتمني أمنية وأدعو الله أن يحققها لي فإني أسأل الله أن يلهم هؤلاء الصبر ويعيد إليهم الامل



أنا أعلم أن ماحدث لهما في هذه السن ليس قليلا ... ربما لأننا اعتدناه في القسم حيث نعمل فلا نتأثر مثلما يتأثرون هم

شابة في الثانية والثلاثين تكتشف أنها ستزيل من أمعاءها قدرا مهما جدا وستبدأ في التخلي عن الطريقة الطبيعيى لاخراج الفضلات الصلبة من بطنها (أعزكم الله) إلي فتحة جانبية دائمة

لابد أنها مصدومة مما حدث .... كعادتهم جميعا يرفضون في بداية الامر

ثم نبين لهم خطورة عدم استئصال الورم في هذه المنطقة من الجسد

ويرضخون

ويكون ساعتها وجه اليأس هو المسيطر علي شاشة العرض

ولكني واثق كل الثقة من أن رحمة الله ستحل عليها وتذيب جدار اليأس المقيت هذا

ويعود إليها مرة أخري

الأمل

أعرف مرضي أزعجهم هذا اليأس كثيرا ... ثم انتصروا علي هذا الاحباط واليوم وقد حلت بهم رحمة الله .... واليوم يستطيعون الابتسام مرة أخري ويكفون عن التطلع اللامتناهي في تلاش مزعج الي السقف

يصغون لطلبات أطفالهم ولم يتوقف الحب في بيوتهم

صدقيني ياطمطم .... إنها لم تكن يوما نهاية العالم .... ولن تكون

ورحمت ربك خير دليل



****************************************************************

لم يفلح معها هذه المرة أيضا

حاول كعادته أن يخرجها من حالة الحزن التي تعيشها مناديا اياها :

(مكشرة ليه ياجميزة ... ماعنديش عيانين يكشروا)

علي نفس سريرها جلست مريضة أخري منذ شهور تعاني نفس حالتها تماما

أعترف أنها كانت أقل احباطا

ربما فرق العشر سنوات أو مايزيد كان السبب

لكنها تبقي مثالا واضحا لمن نجحوا في أن ينجوا من فقد ذلك الأمل

صدقيني فقط اصمدي ستمر الايام ويذوب جليد اليأس وربما تذكرين كلماتي وأنت تنظرين لفرحة في عين ابن لك يتزوج

ربما ساعتها تتحسسين مكان جراحات مشرط الجراح وتنظرين مرة أخري لسقف الحجرة حيث يقبع دائما ذاك اليأس الذي لايجرؤ علي النزول للحرب مع لحظات السعادة



ساعتها ستبتسمي وتعلمين يا سيدتي

أنها لم تكن يوما نهاية العالم ... ولن تكون



ومن سبقتكي .....(السيدة "ن" ) خير دليل



*******************************************************************



و كأني به - صلي الله عليه وآله وصحبه وسلم - وقد آذاه كفار ثقيف

وقد جاءه جبريل بمداد قوي من ربه

(لو شئت لأطبقت عليهم الاخشبين )

لكنه صلي الله عليه وسلم وهو رحمة للعالمين

لازال يأمل

أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله

بأبي هو وأمي ... قد كان وخرج من أصلاب أبي جهل عكرمة

وأسلم خالد ... وأسلم أبو سفيان وانتشرت دعوة الحق في ربي الارض السحيقة

وهو صلي الله عليه وسلم خير مثال يحيي الأمل وقد جاء الي أرض مقت الله أهلها عربها وعجمها

فقاد أمة تحيا بالرحمة.....والأمل

٢٦‏/١‏/٢٠١٠

جدار العار


لا يمكن ان تخلو مذكراتي من أي شيء يرصد هذا العار الذي يبدو أننا كمصريين سنحمل عاره

لكني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما يجرمون


شيِّد جدارك
للشاعر المصري د. أحمد حمدي والي
* ألقيتْ في المؤتمر العام لنصرة غزة بمدينة المنصورة بمصر*

شيِّد جدارك
واصنع من الفولاذ عارك
وانقش على سيناء وشْم الذل ولتكشف عوارك
أسكرتنا كذبًا... وسُقت على مسامعنا من الزور انتصارك
أغلقتَ ظهر الأرض كيْما يذعنوا
فتألقوا في صبرهم.. وهُزمت أنت ومَن أثارك
ألجأتهم بطن البسيطة علّهم
أن يدخلوا بعض الدواء إذا تعَاظم جرحهم
أو يدخلوا بعض الطعام إذا تجبَّر جوعهم
وأَبَـيْت ذاك... فرُحت ترسل مستشارك
من أي "غيـْطٍ" جاء لا أدري.. فما ذنب الكنانة كي تُنـصِّبها حمارك
ليقول للدنيا بأن الغدر شيمتكم
وأن سيادة الأوطان أن تقتل جارك
وسيادة الأوطان يلزمها جدارٌ يمنع الأنفاق أن تكسو الصغار
ويُؤمِّن المحتلَ في تلك الديار
فغدوتَ تُصليهم حصارك
شيِّد جدارك
واحشد عليهم ألف سجان...
وقل للعلقمي كفيتكم.. فاحفظ تتارك
واقرأ على الأعداء سِفر الذلِّ.. ثم اقرأ على نعش العروبة ما تيسر من "تبارك"
واشرب مع الأقزام من حكامنا
نخْب الفضيحة من دموع صِغارنا.. والعن صَغـَارك
ما عاد يؤلم أهل غزة فعلكم
مَن يطلب النصرة ممن.. قد تصَهْين أو تَمَارك
لو كنت حرًّا ما فعلت.. ولا أسأت لمصرنا
ولَصُنت في الدنيا دِثـَارك
لكنني والكل يعلم واثقًا.. ليس القرار هنا قرارك
لن تغفر الأجيال سوء فعالكم
وشواهد التاريخ لن تنسى عِثارك
شيد ففوق العرش ربٌ قادرٌ
والشعب فوق الأرض يشتاق اندحارك

٨‏/٥‏/٢٠٠٩

أسوار القلب المجروح


يمنحك الطب دائما فرصة التخفيف عن الناس ورسم السعادة علي الوجوه

قد لايكلفك الامر أكثر من ابتسامة ترسمها علي وجهك ثم تتعامل برقة مع مريض فيمضي يمطرك بأكثر الدعوات حرارة ورجاءا

حينها لاتستوعب الدنيا أبدا فرحتك

تحس انك تسمو بروحك وتطهرها وتحس ان تعب السنين وسهر الليالي لم يمر هكذا سدي

لكن العملة تحمل وجها آخر

وجه كئيب يضيق به صدرك ... فتردد كما يردد اغلبنا في تلك الاحيان

الا قاتل الله المرض ... ماكان بي يوم التحقت بتلك الكلية ... الم يكن أجدر بي أن أمضي إلي مجال آخر لايسبب لي تلك الالام

أعرف طبيبا حدثنا عنه أصحابه وأقرانه كان قد تسلم نيابة (فرصة تدريب ) في أحد الاقسام الطبية التي تعلو فيها في مصر معدل

الوفيات (قسم الامراض المتوطنة ) أمراض الكبد والكلي والحميات وغيرها من تلك المعضلات التي تنتشر بأنحاء مصر المنكوبة

وبسبب تلك المشاعر الكئيبة التي عاشها لم يهدأله بال حتي بدلها بنيابة في قسم النساء والتوليد حيث الزغاريد تنطلق مع ولادة كل

طفل وحيث الفرحة والبهجة في كل مكان

وما ذكرته لكم من أمر الزغاريد كانت مبرر قراره بالانتقال ..... ومعه كل الحق

اليوم كنت مع وجه آخر لتلك الحياة الطبية

مع أني أعترف أنني وبسبب ميول جراحية تنتشر في أفراد دفعتي وجيلي بوجه عام .. لم أعد أعر المصائب من حولي أية أنتباه

اسير وحولي مصاب بمرض عضال يتوجع .... لايهم (ربنا يشفيه) ....نساء يصرخن علي فقيد (ربنا يرحمه) .... مرضي يتقاتلون لأجل

الدخول الي العيادة أو الطواريء في المستشفي (نظموا الناس دي وطلعوا اللي مالوش لازمة برة ) ..... بل إني أزيدك ولعلك لاتسارع

باتهامي بالقسوة وانعدام الاحساس

أني أري هذا الاسلوب الامثل لكي يستطيع الطبيب الحياة وسط التوجعات والالام والامراض

ولا أري أن أبكي علي كل مريض والا فان البحار ستعوزها المياه ولربما جفت قبل ان تنهي بكائياتك

كنت أظن نفسي قويا شديدا متماسكا حتي جاءت فترة مرض جدتي – رحمه الله – لأكتشف أني مازال لي قلب ينبض لكني كنت قد

غلفته بمداد من صخر أو هكذا بدا لي

بيد أنها لم تكن إلا قشرة يمكن لمخالب المشاعر أن تهتكها في جرة واحدة


وأيقنت أني كنت بطريقة فسيولوجية اتواري بعيد عن الشعور ...بعيدا عن الالم والحزن

وحين يتعلق الامر بقريب كانت المسافة تقل ... ولا ينفع التواري

حينها كنت أسقط .... او هكذا سقطت

لكن يبدو ان مناعتي قد ضعفت كثيرا هذه الايام

ولعل في ما أسرده في كلماتي القادمة ما يوضح الصورة

كل 6 أشهر نصطحب الوالد – حفظه الله – لاجراء بعض الفحوصات الروتينية من بينها فحص بالاشعة التليفزيونية علي البطن

نجريه في أحد مراكز الاشعة القريبة والشهيرة

هناك حيث يزدحم الناس ... وحيث لايعرف أحد بأنك طبيب تكون الفرصة سانحة لكي تنزع عنك قناع القسوة وتسير بين الناس كواحد

منهم لا يختبيء خلف مهنته

هناك تبصر الناس .... تراقبهم ... تشاركهم .... ترثي لهم في صمت وكأنك لا تدري مايجري

قادنا القدر الي التعرف علي زوج وزوجة جاءوا في غاية الاضطراب بابنة يشتبه في اصابتها بانسداد معوي ... بدا هذا واضحا من نوعية

الفحوصات المطلوبة

أشعة عادية علي البطن من الوضع واقفا plain x-ray abdomen erect position

أشعة تليفزيونية علي البطن والحوض pelvi abdominal U.S

خوف الام جعلنا نتنازل لها عن دور الوالد في الفحص ... لهجت بالشكر والثناء وتقدمت الي غرفة الفحص تسبقها الدموع والرجاء

غالبتني مهنتي وغلبتني فجعلت أحسب الامور من الناحية الطبية كنت أميل الي نفي وجود ذلك الانسداد فالابنة في غاية الهدوء لدرجة

انها نامت علي ذراع أمها وهي قضت معنا مايقرب من النصف ساعة لم تتألم مرة ولم تأتها تلك النوبات الانقباضية المميزة لانسداد

الامعاء في هذا السن

طمأنت الأب الذي بدا هادئا إلا من بعض القلق المغلف بالابتسام

خرجت الام – وكما توقعت – شمل الله الفتاة الصغيرة برحمته وكانت نتيجة فحوصاتها سليمة تماما

ولأن الأب طبيب لكن ليس له ميول جراحية حيث يعمل في مجال التخاطب والسمعيات فقد أمسكت بالأشعة وجعلت أشرح لهم كيف

أنه لايوجد مستوي متدرج من السوائل أو غيره من العلامات الخطرة المميزة للانسداد المعوي .... أعتقد أني نجحت في تبديد الكثير

من الخوف الذي كان يتملك الأم وبعض القلق الذي كان بالأب

أعطيتهم فيلم الأشعة راسما تلك الابتسامة الواثقة وبصوت واضح ولهجة واثقة كذلك قلت

أظن إن شاء الله أن الأمر بسيط فقط راجعي طبيب الأطفال واطمئني تماما

مضيت أداعب الصغيرة التي كانت قد استسلمت للنوم مجددا

و مضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيا

وحينها فطن من بالمركز الي مهنتي

وجعل هذين يقتربان .... يجران قدميهما ..... ويقتربان

لم أفطن أنهما يقصدانني حتي دني أولهما وهو شاب في ثلاثينياته يحمل ملفي أشعة مقطعية من ذلك النوع الذي يجري بالصبغة ...

تقدم وبلهجة مهذبة استسمحني بأن يسألني

ابتسمت له مشجعا فناولني الملفين قائلا : عايزين بس نعرف الاشعة دي زي دي بالظبط ولا في تغيير ؟؟؟

نظرت في التقارير ... وبسبب التطابق في الكلمات راجعت التاريخ المدون أكثر من مرة

التقرير يشير الي ورم سرطاني في المثانة البولية تعداها الي البروستاتا والحويصلات المنوية

التاريخ المرضي يشير الي تلقيه العلاج الكيماوي لثلاث جلسات في خلال ثلاثة أشهر

التقرير الأول (وهو الاسبق) في شهر فبرايرالماضي لم يختلف مطلقا عن التقرير الذي تلاه بعد ثلاثة شهور في شهر مايو الحالي

- ايه يادكتور مافيش تحسن في الحالة ؟؟؟

انتزعتني كلماته من التقارير ومافيها من حقيقة مفجعة

الورم قد يكون من النوع الذي لايمكن التعامل معه جراحيا وحيث أن المريض تلقي جلسات العلاج الكيماوي دون أي تغيير فإن

المنطقي أن الاجراء القادم سيكون العلاج الاشعاعي الذي لن يكون أحسن حظا من سابقيه

ليس لهذا أمل إلا ما في رحمة الله سبحانه

رفعت عيناي إليه وحاولت الا تتكلم ... ألا تتكلم عيناي

كان التقرير يوصي بأخذ عينة عن طريق المنظار أو شيء من هذا القبيل

سألته : - هو مين العيان ؟؟؟

أجابني ذلك الرفيق الذي لم أنتبه لوجده إلا الآن

شيخ – لعله ناهز الستين- قروي من أولئك القوم الذين لا تخطيء العين طيبة في ملامحهم وقسمات وجوههم يرتدي طاقية مغزولة بنية

اللون يلفها بعمامة بيضاء يتدلي طرفها علي كتفه يلبس قميصا (جلابية) واسع الاكمام بلا ياقة علي عادة المزارعين من اهلنا ويتكيء

علي عكاز

- أنا يادكتور ..... أجابني بصوت يملؤه الرجاء ...متهدج يوشك أن يبكي

المدرسة الغربية في الطب تميل في هذه الاحيان الي مصارحة المريض مصارحة تامة عن حقيقة مرضه وطبيعته وكيفية العلاج وفرصه

ولأنهم قوم مولعون بالارقام فانهم سرعان مايضيفون الي كلامهم رقما من أبحاثهم عن المتبقي من عمره

لكن هذا لا يصح باطلاق هاهنا في مصر حيث المشاعر تحكم كل شيء ونحن عموما مهما تدهورت مشاعرنا يبقي لها في القلب ...

نصيب .... وأي نصيب

نظرت إليه وقد تملكتني الحيرة لبعض لحظات بحثا عن جواب مناسب ثم أجبته بلهجة حاولت ان تكون مطمئنة قدر استطاعتي

- لا لا يابابا الامل في ربنا كبير هما بس ... عايزين ... عايزين ياخدو عينة ويحددو بأه الخطوة الجاية سواء كان اشعاع او كيماوي تاني

اوجراحة

- بس مش فيه تحسن صح

-لا لا ده ان شاء الله ..

قاطعني هذه المرة بدموعه يمسحها بطرف عمامته البيضاء وقد أصبح منظره يقطع نياط القلوب

- بس مش فيه تحسن ... أني كنت عارف

رفيقه الثلاثيني يوشك علي البكاء ، تبادلت معه أثناء الكلام نظرات ليفهم هو مغزاها ويبدو أنها وصلته لكن دموع العم ومنظره قد أثرا

فينا وحاولنا بكل طريقة تهدئته وكان أفضل الطرق أن يبدءا في مغادرة المكان

غادراه .... ومن خلف زجاج المصعد كان العم لا يزال ينتحب ويمسح دموعه بطرف عمامته البيضاء وهو يتكيء بيده الأخري علي عكازه

هبط المصعد ... وهبطت نفسيتي مرة أخري إلي مستوي منخفض اعتدته في مثل هذه الحالات هذه الايام

ألم أقل لكم يبدو أن مناعتي قد ضعفت بشدة

شفاك الله يا عماه ... سامحك الله فلقد جرحت ستار القلب القاسي

١‏/٤‏/٢٠٠٩

حكاية عم أحمد

باسمك اللهم نحيا
---------------------


هيييييييييييه عم أحمد يااااااااااه حكاية قديمة


كنت يومها في الشهر الثالث من فترة امتيازي (فترة تدريب الاطباء قبل الحصول علي ترخيص مزاولة المهنة تستمر لمدة عام كامل)


دخل يومها الاستقبال .....


وعلي غير عادة مرضي تلك المنطقة الذين يملأون الدنيا صراخا وعويلا لأتفه الأسباب جلس صامتا


هادئا جدا ... بخطوات ثقيلة ...يجر قدميه جرا وتقوده حفيدته حيث جلس علي أحد أسرة غرفة الاستقبال




من بعيد كنت أراقبه ...


توجهت اليه فالتفتت عيناه الي وافتر ثغره عن ابتسامة وتهلل وجهه ...


- سلام عليكم ألف سلامة يابابا
- الله يسلمك يادكتور


وبدأ الحوار الطبي من تاريخ الرجل المرضي (المثقل بالامراض) الي شكواه الي بعض استفسارات أخري ثم الي فحصه فحصا عاما وآخر جهازيا


لأكشتف أن الرجل مريض بفرط ارتفاع ضغط الدم (190/110) وارتفاع نسبة السكر بالدم ووجود التهاب رئوي يجعله لايكف عن السعال كما أن اصابته المزمنة بتضخم البروستاتا جعلهم (الأطباء المعالجون له ) يوصون باستخدامه قسطرة بولية داخلية (أنبوب لنقل البول عبر القناة البولية) بصورة دائمة وهو مافسر لي حركته الثقيلة اذ أنه يجر في يده كيسا من البلاستيك لتجميع البول


هذا الاستخدام الدائم للقسطرة جعله يصاب بالتهاب في القناة البولية أضافت إلي آلامه السابق ارتفاعا بدرجة الحرارة


مبدئيا قمت بمحاولات لخفض ضغط الدم المرتفع اذ ان للرجل سابقة (نسيت أن أخبركم عنها في زحمة الأمراض ) في بدايات نزيف مخي


كل هذا لم يكن مثيرا لدهشتي أبدا لأنها ليست المرة الأولي التي أري فيها مثل هذا الكم من الأمراض مجتمعة في جسد واحد بل إني أزعم أن عم أحمد ليسا بدعا من المرضي أبدا .


مناط العجب والدهشة (المختلطة بالحزن) هو هدوء عم أحمد وهو أمر غير معهود في مرضي مستشفانا


عم أحمد يجلس علي السرير منكفئا علي نفسه.... ذقنه تلامس صدره..... يرتكن بيديه خلفه وهو لايرفع رأسه إلا قليلا يحركها يمينا ويسارا (ببطء أيضا) ليبحث عن حفيدته الصغيرة فيكلمها بصوت خفيض وحين أكلمه فلا أجد منه إلا الموافقات والايماء بالرأس تعبيرا كذلك عن الموافقة .


لم يعترض عم أحمد مطلقا مع أنه جلس في غرفة الاستقبال لمدة تربوا عن الأربع ساعات منتظرا رد نائب الباطنة (سامحه الله )


حين سألته عن أولاده (إذا كان له حفيدة فلابد له إذن من أولاد) طأطأ الرجل رأسه وتكلم (بصوت خفيض) :
- مشغولين بأه يادكتور.


يبدو لي أنه لم يعترض علي هذه أيضا


لم يعترض علي أي شيء ...


اذهب لغرفة الأشعة ... حاضر


اكشف ايدك .... حاضر


خد الدوا ده .... حاضر


صامتا ... ساكنا .... راضيا .... مستكينا


ومازال منتظرا ... تمر الساعة الأولي ... الثانية ... الثالثة .... تنتهي الرابعة


المسئول نائب الباطنة المحترم لم يهتم لاتصالاتنا التليفونية ومناشداتنا الكتابية لفخامته لكي يحجز الحالة لتعدد الأمراض واحتياجها للحجز
عم أحمد لم يهتم للوقت أيضا إذ يبدو أنه لاجديد لديه ....


حفيدته لم تهتم كثيرا ...لعبت هنا ... جرت هناك ... شاهدت بشغف حالة يجري الناس بها ... أخري يركضون ناحيتها اذ انها في حالة خطيرة


و عم أحمد ذو السبعين عاما لم ينبس ببنت شفة


تماما مثل مصر ...ساكتة مستكينة مستسلمة

٢١‏/٤‏/٢٠٠٨

هذه بلادي .....

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أولي حلقات تدوين (الحفيد) وهي عبارة عن رؤية لما يحدث في الشارع ومحاولة فهم مايجري فيه ....

الأربعاء 16-4-2008

التاسعة مساءا - استقبال مستشفي...... الجامعي

الحدث :عيان داخل ميت أو بيموت

قابلني الزملاء المشاركين لي في نوبتجية الاستقبال يجرون ويتحركون في عصبية شديدة
سألتهم :
- مالذي حدث???
فأجابني أحدهم بنفس العصبية
- عيان مات في الاستقبال
- طيب وانتو رايحين فين ؟؟؟
- نجيب نايب الرعاية (الدكتور المسئول عن الرعاية ) خليك انت في الاستقبال لحد لما نجيلك.
ماإن دخلت الاستقبال حتي كان نايب الرعاية في إثري داخلا الا موضع الحدث بجوار الجسد المسجي علي
ناقلة المستشفي (التروللي ) يقلب الجسد يمنة ويسرة وهو يبحث ببرود رهيب عن أي علامة من علامات الحياة
البرود هنا ليس من ذلك النوع الايجابي الذي يجعل الاعصاب هادئة في مقابلة الفزع المضيع للارادة
ولكنه برود عدم الاكتراث (ايه يعني لما عيان يموت عندنا ملايين غيره ) قد تظن أنه قاسي
القلب أو عديم الرحمة - ولك كل الحق - ولكن من يقضي الساعات جالسا تفد اليه كل الكوارث الطبية المعروفة
وهو عاجز عن مساعدة منكوبيها لعدم توفر الامكانيات غالبا مايصير بهذا البرود السلبي المقيت
ممرض (بارد) لايراعي الموقف يتحرك ببطء غبي يستفزك يرفع صوته كانما هو في فرح شعبي سائلا الدكتور :
- مات صح؟؟؟
لايرد عليه الدكتور وانما ترمقه نظرات الاستهجان من كل من حوله لكنها لاتزجره فيكرر
نفس السؤال المستفز وأرد عليه بما يناسبه :
- انت شايف الموقف مناسب جدا للسؤال ده ؟؟؟ ده انت انسان غريب فعلا

يبدأ المحروس (نايب الرعاية ) في اجراء عملية انعاش القلب بعد قدومه بدقائق - طبعا المفروض قبل ماهو ييجي يكون اطباء الاستقبال بدءوا العملية دي -
ببرود رهيب يبدأ في الضغط بكلتا يديه مضمومة الكفين مفرودة الساعين علي منتصف صدر المريض محاولا انعاش القلب المتوقف

- هاتولي ...... ثم يسكت مترددا ....هاتولي 3 أدرينالين و3 أتروبين
يرد الممرض البارد جدا :
- بس ده ماقطعش تذكرة ؟؟؟!!!
أرد أنا وقد استشطت غضبا من أسلوبه المستفز:
- ياسيدي هبقي أقفلهالك أنا !!!!!
- معلش يادكتور اصل دي حاجات بتتحسب علينا
يمد أحد العقلاء يده بالامبولات التي يتناولها نايب الرعاية ثم يتحدث معاليه:
- حد يركبله (كانيولا) جهاز حقن وريدي يعني
نظرات الاستغراب من كل من حوله ترمقه لان المفروض ان الحقنة مباشرة في عضلة القلب
الضغط مستمر علي عضلة القلب بالتناوب مع النفخ في الفم بهواء جهاز الامبو

البرود الغبي يسيطر علي قدسية وهيبة الموت
الممرضات مازلن (يطرقعن ) اللبان ويتسامرن بالاحاديث الجانبية وكأن الامر لايعني احدا
اليأس بدأ يدب في تربة المكان والزمان وبدأت التهيئة النفسية لإعلان موت الشاب ذي النيف وثلاثين عاما

طبيا هو دخل المستشفي فعلا ميتا لاحراك فيه ولكن ماآلمني حقا هو حجم الجهد القليل المبذول والذي يؤدي في
أحوال أخري مازالت تنبض إلي الوفاة التي سببها الاهمال

أخيرا نايب الرعاية يطفيء أنوار الاستقبال وينظر الي عيني الشاب ليتأكد من الوفاة ثم يقول خلاص كده
ويترك المكان يضج بالقليل من الحزن والتأثر والكثير من اللغط (حد ييجي يستلم جثته ) أما أنا ففي ذهول أصاب جسدي بالضعف
جلست وأنا أتيقن أن هذا البرود وعدم الاكتراث هو منهج عام لكل أنواع التعاملات نحو مشكلات المجتمع المصري

أرجع الي الكتب التي تعالج مثل هذه المشكلات الطبية فأجدها علي الرغم من أنها تبقي أولا وأخيرا نظرية بحتة إلا أنها تضج بالسرعة
واستعجال اتخاذ القرارات لحثك علي انقاذ حياة المريض .
كل المؤلفين يطالبونك بالسرعة والنشاط والدقة و..و..و.. وكل ما من شأنه أن ينقذ حياة الانسان ..
وحين تري الغربيين في محاولاتهم الاسعافية تحس أنك في معركة حربية وليس في استقبال طواريء بمستشفي ...
مجموعة من الاطباء يتحلقون حول المريض ومن كثرة مايتم عمله وكثرة القرارات التي تتخذ بشأنه لا يمكنك فهم مايجري الا اذا كنت من أهل الطب
أما أي عاقل فكان يدرك بكل بساطة مساء الأربعاء أن ماكان يتم كان مجرد تمثيلية هزلية أمام أقارب المريض
تمثيلية تخلو تماما من الدعابة وتمتليء ....بـ......
سماجة وبرود ...أديا إلي وفاة ......
وفاة إحساس الإنسان

هذا ماتأكدت منه حينما تابعت حالة عمي أحمد ذي السبعين عاما
لكن لهذا قصة أخري ..... وتدوينة أخري
تحياتي