من أنا

١‏/٤‏/٢٠٠٩

حكاية عم أحمد

باسمك اللهم نحيا
---------------------


هيييييييييييه عم أحمد يااااااااااه حكاية قديمة


كنت يومها في الشهر الثالث من فترة امتيازي (فترة تدريب الاطباء قبل الحصول علي ترخيص مزاولة المهنة تستمر لمدة عام كامل)


دخل يومها الاستقبال .....


وعلي غير عادة مرضي تلك المنطقة الذين يملأون الدنيا صراخا وعويلا لأتفه الأسباب جلس صامتا


هادئا جدا ... بخطوات ثقيلة ...يجر قدميه جرا وتقوده حفيدته حيث جلس علي أحد أسرة غرفة الاستقبال




من بعيد كنت أراقبه ...


توجهت اليه فالتفتت عيناه الي وافتر ثغره عن ابتسامة وتهلل وجهه ...


- سلام عليكم ألف سلامة يابابا
- الله يسلمك يادكتور


وبدأ الحوار الطبي من تاريخ الرجل المرضي (المثقل بالامراض) الي شكواه الي بعض استفسارات أخري ثم الي فحصه فحصا عاما وآخر جهازيا


لأكشتف أن الرجل مريض بفرط ارتفاع ضغط الدم (190/110) وارتفاع نسبة السكر بالدم ووجود التهاب رئوي يجعله لايكف عن السعال كما أن اصابته المزمنة بتضخم البروستاتا جعلهم (الأطباء المعالجون له ) يوصون باستخدامه قسطرة بولية داخلية (أنبوب لنقل البول عبر القناة البولية) بصورة دائمة وهو مافسر لي حركته الثقيلة اذ أنه يجر في يده كيسا من البلاستيك لتجميع البول


هذا الاستخدام الدائم للقسطرة جعله يصاب بالتهاب في القناة البولية أضافت إلي آلامه السابق ارتفاعا بدرجة الحرارة


مبدئيا قمت بمحاولات لخفض ضغط الدم المرتفع اذ ان للرجل سابقة (نسيت أن أخبركم عنها في زحمة الأمراض ) في بدايات نزيف مخي


كل هذا لم يكن مثيرا لدهشتي أبدا لأنها ليست المرة الأولي التي أري فيها مثل هذا الكم من الأمراض مجتمعة في جسد واحد بل إني أزعم أن عم أحمد ليسا بدعا من المرضي أبدا .


مناط العجب والدهشة (المختلطة بالحزن) هو هدوء عم أحمد وهو أمر غير معهود في مرضي مستشفانا


عم أحمد يجلس علي السرير منكفئا علي نفسه.... ذقنه تلامس صدره..... يرتكن بيديه خلفه وهو لايرفع رأسه إلا قليلا يحركها يمينا ويسارا (ببطء أيضا) ليبحث عن حفيدته الصغيرة فيكلمها بصوت خفيض وحين أكلمه فلا أجد منه إلا الموافقات والايماء بالرأس تعبيرا كذلك عن الموافقة .


لم يعترض عم أحمد مطلقا مع أنه جلس في غرفة الاستقبال لمدة تربوا عن الأربع ساعات منتظرا رد نائب الباطنة (سامحه الله )


حين سألته عن أولاده (إذا كان له حفيدة فلابد له إذن من أولاد) طأطأ الرجل رأسه وتكلم (بصوت خفيض) :
- مشغولين بأه يادكتور.


يبدو لي أنه لم يعترض علي هذه أيضا


لم يعترض علي أي شيء ...


اذهب لغرفة الأشعة ... حاضر


اكشف ايدك .... حاضر


خد الدوا ده .... حاضر


صامتا ... ساكنا .... راضيا .... مستكينا


ومازال منتظرا ... تمر الساعة الأولي ... الثانية ... الثالثة .... تنتهي الرابعة


المسئول نائب الباطنة المحترم لم يهتم لاتصالاتنا التليفونية ومناشداتنا الكتابية لفخامته لكي يحجز الحالة لتعدد الأمراض واحتياجها للحجز
عم أحمد لم يهتم للوقت أيضا إذ يبدو أنه لاجديد لديه ....


حفيدته لم تهتم كثيرا ...لعبت هنا ... جرت هناك ... شاهدت بشغف حالة يجري الناس بها ... أخري يركضون ناحيتها اذ انها في حالة خطيرة


و عم أحمد ذو السبعين عاما لم ينبس ببنت شفة


تماما مثل مصر ...ساكتة مستكينة مستسلمة

٢١‏/٤‏/٢٠٠٨

هذه بلادي .....

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أولي حلقات تدوين (الحفيد) وهي عبارة عن رؤية لما يحدث في الشارع ومحاولة فهم مايجري فيه ....

الأربعاء 16-4-2008

التاسعة مساءا - استقبال مستشفي...... الجامعي

الحدث :عيان داخل ميت أو بيموت

قابلني الزملاء المشاركين لي في نوبتجية الاستقبال يجرون ويتحركون في عصبية شديدة
سألتهم :
- مالذي حدث???
فأجابني أحدهم بنفس العصبية
- عيان مات في الاستقبال
- طيب وانتو رايحين فين ؟؟؟
- نجيب نايب الرعاية (الدكتور المسئول عن الرعاية ) خليك انت في الاستقبال لحد لما نجيلك.
ماإن دخلت الاستقبال حتي كان نايب الرعاية في إثري داخلا الا موضع الحدث بجوار الجسد المسجي علي
ناقلة المستشفي (التروللي ) يقلب الجسد يمنة ويسرة وهو يبحث ببرود رهيب عن أي علامة من علامات الحياة
البرود هنا ليس من ذلك النوع الايجابي الذي يجعل الاعصاب هادئة في مقابلة الفزع المضيع للارادة
ولكنه برود عدم الاكتراث (ايه يعني لما عيان يموت عندنا ملايين غيره ) قد تظن أنه قاسي
القلب أو عديم الرحمة - ولك كل الحق - ولكن من يقضي الساعات جالسا تفد اليه كل الكوارث الطبية المعروفة
وهو عاجز عن مساعدة منكوبيها لعدم توفر الامكانيات غالبا مايصير بهذا البرود السلبي المقيت
ممرض (بارد) لايراعي الموقف يتحرك ببطء غبي يستفزك يرفع صوته كانما هو في فرح شعبي سائلا الدكتور :
- مات صح؟؟؟
لايرد عليه الدكتور وانما ترمقه نظرات الاستهجان من كل من حوله لكنها لاتزجره فيكرر
نفس السؤال المستفز وأرد عليه بما يناسبه :
- انت شايف الموقف مناسب جدا للسؤال ده ؟؟؟ ده انت انسان غريب فعلا

يبدأ المحروس (نايب الرعاية ) في اجراء عملية انعاش القلب بعد قدومه بدقائق - طبعا المفروض قبل ماهو ييجي يكون اطباء الاستقبال بدءوا العملية دي -
ببرود رهيب يبدأ في الضغط بكلتا يديه مضمومة الكفين مفرودة الساعين علي منتصف صدر المريض محاولا انعاش القلب المتوقف

- هاتولي ...... ثم يسكت مترددا ....هاتولي 3 أدرينالين و3 أتروبين
يرد الممرض البارد جدا :
- بس ده ماقطعش تذكرة ؟؟؟!!!
أرد أنا وقد استشطت غضبا من أسلوبه المستفز:
- ياسيدي هبقي أقفلهالك أنا !!!!!
- معلش يادكتور اصل دي حاجات بتتحسب علينا
يمد أحد العقلاء يده بالامبولات التي يتناولها نايب الرعاية ثم يتحدث معاليه:
- حد يركبله (كانيولا) جهاز حقن وريدي يعني
نظرات الاستغراب من كل من حوله ترمقه لان المفروض ان الحقنة مباشرة في عضلة القلب
الضغط مستمر علي عضلة القلب بالتناوب مع النفخ في الفم بهواء جهاز الامبو

البرود الغبي يسيطر علي قدسية وهيبة الموت
الممرضات مازلن (يطرقعن ) اللبان ويتسامرن بالاحاديث الجانبية وكأن الامر لايعني احدا
اليأس بدأ يدب في تربة المكان والزمان وبدأت التهيئة النفسية لإعلان موت الشاب ذي النيف وثلاثين عاما

طبيا هو دخل المستشفي فعلا ميتا لاحراك فيه ولكن ماآلمني حقا هو حجم الجهد القليل المبذول والذي يؤدي في
أحوال أخري مازالت تنبض إلي الوفاة التي سببها الاهمال

أخيرا نايب الرعاية يطفيء أنوار الاستقبال وينظر الي عيني الشاب ليتأكد من الوفاة ثم يقول خلاص كده
ويترك المكان يضج بالقليل من الحزن والتأثر والكثير من اللغط (حد ييجي يستلم جثته ) أما أنا ففي ذهول أصاب جسدي بالضعف
جلست وأنا أتيقن أن هذا البرود وعدم الاكتراث هو منهج عام لكل أنواع التعاملات نحو مشكلات المجتمع المصري

أرجع الي الكتب التي تعالج مثل هذه المشكلات الطبية فأجدها علي الرغم من أنها تبقي أولا وأخيرا نظرية بحتة إلا أنها تضج بالسرعة
واستعجال اتخاذ القرارات لحثك علي انقاذ حياة المريض .
كل المؤلفين يطالبونك بالسرعة والنشاط والدقة و..و..و.. وكل ما من شأنه أن ينقذ حياة الانسان ..
وحين تري الغربيين في محاولاتهم الاسعافية تحس أنك في معركة حربية وليس في استقبال طواريء بمستشفي ...
مجموعة من الاطباء يتحلقون حول المريض ومن كثرة مايتم عمله وكثرة القرارات التي تتخذ بشأنه لا يمكنك فهم مايجري الا اذا كنت من أهل الطب
أما أي عاقل فكان يدرك بكل بساطة مساء الأربعاء أن ماكان يتم كان مجرد تمثيلية هزلية أمام أقارب المريض
تمثيلية تخلو تماما من الدعابة وتمتليء ....بـ......
سماجة وبرود ...أديا إلي وفاة ......
وفاة إحساس الإنسان

هذا ماتأكدت منه حينما تابعت حالة عمي أحمد ذي السبعين عاما
لكن لهذا قصة أخري ..... وتدوينة أخري
تحياتي